محمد متولي الشعراوي
5972
تفسير الشعراوى
والحق سبحانه لا يظلم أحدا ، ولا يعذب قوما إلا بعد أن يكفروا بالرسول الذي أرسله إليهم ، وهو سبحانه القائل : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا « 1 » فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] وهو سبحانه القائل أيضا : لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) [ الأنعام ] فلا تجريم ولا عقوبة إلا بنص وببيان لتجريم هذا الفعل أو ذاك ، بإرسال الرسل ؛ حتى لا يحتج أحد بأنه لم يصل إليه شئ يحاسب بمقتضاه . والحق سبحانه هنا يبيّن أن لكل أمة رسولا يتعهدها بأمور المنهج . وقد خلق الحق سبحانه كل الخلق ، وكانوا موحّدين منذ ذرية آدم - عليه السّلام - ثم اقتضت الأحداث أن يتباعدوا ، وانتشروا في الأرض ، وصارت الالتقاءات بعيدة ، وكذلك المواصلات ، وتعددت الآفات بتعدد البيئات . ولكن إذا تقاربت الالتقاءات ، وصارت المواصلات سهلة ، فما يحدث في الشرق تراه في لحظتها وأنت في الغرب ، فهذا يعنى توحّد الآفات أو تكاد تكون واحدة ؛ لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم صلّى اللّه عليه وسلّم ، أما في الأزمنة القديمة ، فقد كانت أزمنة انعزالية ، تحيا كل جماعة بعيدة عن الأخرى ؛ ولذلك كان لا بد من رسول لكل جماعة ؛ ليعالج داءات البيئة ، أما وقد التقت البيئات ، فالرسول الخاتم يعالج كل الداءات « 2 » .
--> ( 1 ) خلا : مضى وسلف . ومنه قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) [ الحاقة ] أي : الماضية . ( 2 ) وذلك لأن رسالة الإسلام هي جماع القيم لكل دين سابق ، مصداقا لقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) [ الشورى ] .